الطبراني

182

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

قوله عزّ وجلّ : وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ؛ وذلك أنّهم كانوا في زمن داود بأرض يقال لها : إيلية على ساحل البحر بين المدينة والشّام ، وكانت مسكن بني إسرائيل . وكان اللّه قد حرّم عليهم صيد السّمك يوم السبت ، وكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت إلا اجتمع هناك حتى يخرجن خراطيمهن من الماء لأمنها في ذلك اليوم . فإذا مضى يوم السبت تفرّقن ولم يخرجن ولزمن لجّة البحر ، فذلك قوله تعالى : إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ « 1 » فعمد رجال فحفروا حفيرة عشيّة الجمعة حيث يدخل السمك وساقوا إليها الماء من البحر ، فأقبل الموج بالحيتان فحبسوا السّمك فيها يوم السبت ، وأخذوا منها ليلة الأحد ويوم الأحد ، وقالوا : نحن لا نصطاد يوم السبت . وكان في القرية نحوا من سبعين ألفا ؛ فصنف منهم أمسك عن الاصطياد ونهى ؛ وصنف أمسك ولم ينه ؛ وصنف منهم انتهوا ؛ وصنف منهم انتهكوا الحرمة . وكان الذين نهوا اثني عشر ألفا ؛ فلما أبى المجرمون قبول نصحهم قال النّاهون : واللّه لا ساكنّاكم في قرية واحدة ، فقسّموا القرية بجدار ولعنهم داود عليه السّلام وغضب اللّه لإصرارهم على المعصية ، فخرج النّاهون ذات يوم من بابهم ، والمجرمون لم يفتحوا بابهم ولا خرج منهم أحد ؛ فلما أبطأوا تسوّروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة . فمكثوا ثلاثة أيام ثم هلكوا . ولم يمكث ممسوخ مسخ فوق ثلاثة أيام ، ولم يتوالدوا ، فذلك قوله تعالى : فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ( 65 ) ؛ أي صاغرين مطرودين بلغة كنانة ، قاله مجاهد وقتادة والربيع . وقال أبو روق : يعني ( خرسا لا يتكلّمون ) ، دليله قوله تعالى : اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ « 2 » . وقيل : مبعدون من كلّ خير ، روي عن ابن مسعود : ( أنّهم لم يلدوا بعدما مسخوا ) قال : ( ولذلك الممسوخ لا يكون له نسل ) . وقيل : إنّهم كانوا رجالا ونساء فمسخهم اللّه تعالى الذكر ذكر والأنثى أنثى ؛ وكانوا يتعاوون ، وكان تسيل

--> ( 1 ) الأعراف / 163 . ( 2 ) المؤمنون / 108 .